ابن عربي

487

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

اعلم أن حرمة اللّه ذاتية فهو يقتضي التعظيم لذاته ، بخلاف الأسباب المعظمة ، فإن الناظر في الدليل ما هو الدليل له مطلوب لذاته ، فينتقل عنه ويفارقه إلى مدلوله ، فلهذا العالم دليل على اللّه ، لأنا نعبر منه إليه تعالى ، لذلك قال تعالى « أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى » [ « أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ » الآية : ] كذا يعدد المخلوقات لتتخذ أدلة عليه لا ليوقف معها ، والنظر إلى الكيفيات المراد به بالضرورة المكيفات لا التكييف ، فإن التكييف راجع إلى حالة معقولة ، لها نسبة إلى المكيّف وهو اللّه تعالى ، وما أحد شاهد تعلق القدرة الإلهية بالأشياء عند إيجادها ، فالكيفيات المذكورة التي أمرنا بالنظر إليها لا فيها إنما ذلك لنتخذها عبرة ودلالة على أن لها من كيّفها ، أي صيرها ذات كيفيات ، وهي الهيئات التي تكون عليها المخلوقات المكيفات ، فقال « أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ » يعني السحاب الكائن من الأبخرة هنا الصاعدة للحرارة التي فيها « كَيْفَ خُلِقَتْ » . [ سورة الغاشية ( 88 ) : الآيات 18 إلى 20 ] وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ( 18 ) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ( 19 ) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ( 20 ) وغيرها لا يصح أن تنظر حتى تكون موجودة فننظر إليها وكيف اختلفت هيئاتها ، ولو أراد بالكيفية حالة الإيجاد لم يقل : انظر إليها ، فإنها ليست بموجودة ، فعلمنا أن الكيف المطلوب منا في رؤية الأشياء ما هو ما يتوهم من لا علم له بذلك ، ألا تراه سبحانه لما أراد النظر الذي هو الفكر قرنه بحرف ( في ) ولم يصحبه لفظ كيف .